Monday, 19 July 2010

الاعلام الفضائي بين المهنية والمسؤولية من جهة والانفلات والفوضى من جهة اخرى

مقابلة حصرية مع ايلاف
التقت ايلاف الاعلامي العربي نهاد اسماعيل وطرحت عليه الاسئلة التالية

سؤال: كيف تصف الجو الاعلامي الفضائي بشكل عام؟
جواب:
من المؤسف ان ابدأ الاجابة بالقول ان الساحة الاعلامية الفضائية العربية يعمها الفوضى والهزلية والازدحام. آخر الاحصاءات تشير ان هناك أكثر من 620 محطة فضائية ولا يمر يوم او اسبوع دون ان نسمع عن ظهور محطة فضائية جديدة وعدد كبير منها يمتلكها ويديرها اشخاص لا يفهموا معنى المسؤولية والمصلحة العامة. ليس من المبالغة القول انها تتوالد مثل الارانب والنتيجة اعلام هابط المستوى بعضه يخضع لرحمة الحكومات او الاحزاب او مصالح تجارية او مؤسسات عقائدية دينية.
اذا كنت بسؤالك تشير الى الاعلام الفضائي بالتحديد اقول لك ان الساحة مكتظة ومزدحمة. وربما عدد هائل من هذه المحطات تخدم اجندات معينة ضيقة لا تؤدي خدمة عامة للمشاهد فهناك محطات دينية بعضها يبث الفتاوي العشوائية على الهواء مباشرة وبعضها يغسل ادمغة الساذجين. فوضى البرامج الدينية والفتاوي الغريبة وتفسير الاحلام تأتي جميعها في اطار ما يسمى بالانفلات الديني الذي اساء للاسلام والمسلمين. ولا يقتصر الأمر على ذلك فهناك قنوات السحر والشعوذة وقنوات الطب وقنوات لتشجيع الدعارة والهدف هو كسب المال بأي طريقة كانت.
هناك أيضا محطات لقراءة الحظ والبخت ومحطات لابتزاز المال من خلال مسابقات وهمية. وعلى مستوى آخر هناك قنوات سياسية ولكنها تتسم بالطائفية والمذهبية والحزبية وخير مثال على ذلك ساحة الاعلام العراقية.
سؤال الا يعني ذلك اننا بحاجة لنظام رقابة يشرف على الفضائيات وينظم عملها؟
جواب: كان هناك محاولات من الجامعة العربية لوضع ما يسمى ميثاق شرف للاعلام والاعلاميين اي المهنية والمسؤولية وهذه المحاولات فشلت لسببين. الأول لم يأبه لها احد ولم يلتزم بها أحد والثاني رأى الكثيرون انها محاولة لتقييد حرية الاعلام اي نوع من التدخل البوليسي لصالح الأنظمة.

سؤال: ولكن ليس كل الاعلام سيء لهذه الدرجة؟
جواب :
لم أقل ذلك ولكنني وصفت لك الناحية السلبية الفوضوية. لا شك ان هناك عدد كبير من المحطات الرياضية والموسيقية ومحطات افلام ودراما عربية ودراما مستوردة تلبي حاجة في السوق. وهناك محطات اخبارية مسؤولة ولكن عددها قليل ربما ما لا يزيد عن 10 محطات أو 15 محطة تعتبر جادة تطرح وتعالج قضايا الأمة مثل العربية والجزيرة والايه ان ان (شبكة الاخبار العربيةANN ) والحوار و ايه ن بي ANB ونيو تي في و ال بي سي اللبنانيتين هذا ناهيك عن البي بي سي الناطقة باللغة العربية ومحطة الاخبارية السعودية وغيرها. وهناك مشاريع لمحطة سعودية اخبارية جديدة وفضائية اخبارية ناطقة بالعربية لشركة بي سكاي بي العملاقة.

سؤال :ألا تعتقد ان الفضائيات ساهمت في التوعية وزرع بذور الديمقراطية في المنطقة العربية؟
جواب :
لسنوات طويلة قبل ظهور الفضائيات خضع الاعلام لسيطرة الدولة والرقيب وتم تغذية المشاهد بالوجبات التي تطبخها الحكومات ولم يكن هناك خيار امام المشاهد او المستمع او القاريء سوى تناول ما يتم تقديمه له. ولكن هذا لم يعد ممكنا حيث انكسرت الحواجز وانفتحت ابواب الاعلام على مصراعيها وحتى الدول الدكتاتورية لم تعد قادرة على منع المواطن العربي من التقاط عدد كبير من المحطات. اضف الى ذلك ثورة المعلومات التي نتج عنها انتشار الشبكة العنكبوتية والتي أعطت المواطن الفرصة ان يحصل على المعلومة في ثواني معدودة. هذا رغم ان بعض الانظمة تحجب المواقع واحيانا تحاول التشويش على البث الفضائي الا ان كل هذه المحاولات في نهاية المطاف تبؤ بالفشل.
البرامج الحوارية تسمح للمشاهد بسماع اراء مختلفة وبعض البرامج تسمح للمشاهد بالمشاركة برأيه ومن هذا المنطلق يمكن القول ان الفضائيات المسؤولة عززت مفهوم حرية الرأي والاعلام.
مما لا شك فيه ان الفضائيات ساهمت في فتح آفاق جديدة امام المشاهد العربي حيث ارتفعت سقوف حرية التعبير وفتح مواضيع اعتبرت محرمة وخط أحمر حتى نهاية القرن الماضي. ولا بد من الاشارة الى تطور سلبي يسعى لكتم الاصوات وتقييد حرية التعبير من قبل بعض الاصوليين بصفة سواء بصفة شخصية او باسم مؤسسات دينية.

سؤال : ولكن كيف تصف مستقبل الاعلام العربي؟
جواب:
يمكن الاجابة على هذا السؤال بنقاط ثلاثة وباختصار شديد
اولا: علينا ان نعي بأن الاعلام هو توصيل رسالة للمستهلك. قد تكون هذه الرسالة سياسية او ثقافية او ترفيهية او دينية او غير ذلك. توصيل الرسالة للمستهلك الذي قد يكون مشاهدا او قارئا او مستمعا يحتاج الى وسيلة مناسبة. هذه الوسيلة قد تكون البث الفضائي التلفزيوني او المذياع ( الراديو) او الصحافة اوالانترنيت وحتى الهاتف النقال او اي مزيج منها. في السنوات الاخيرة رأينا اهتمام اعلامي دولي كبير في المنطقة العربية حيث رأينا ظهور محطات تبث باللغة العربية من واشنطن ولندن وموسكو وباريس وانقرة وطهران وبكين. فالاعلام قد يمكن وصفه في بعض الحالات ذراع للسياسات الخارجية لبعض الدول. ونظرا لأهمية الاعلام في تحريك وتوجيه الرأي العام لاحظنا أيضا في السنوات الأخيرة ان الاستثمارات في هذا الميدان وصلت الى مليارات الدولارات. وهناك مشاريع اعلامية متعددة في حيز التخطيط ورغم الانفاق الهائل والتكلفة الباهظة الا ان الاستثمار في هذا القطاع سيستمر.
ثانيا: اذا ادركنا ان 65% من الشعب العربي دون سن ال35 عاما فالرسالة الاعلامية يجب ان تلبي احتياجات هذه الفئة الهامة في المجتمع. ومن التطورات التي لوحظت في العامين الماضيين ان هناك نفور من البرامج الثقيلة الخطابية والحوارات الساخنة التي تتميز بالاثارة المصطنعة. وتشير الدراسات ان الشباب يفضلوا الاخبار الناعمة الخفيفة وحوارات مع شخصيات تحظى باعجاب الشباب
Light news and talk-shows
وبرامج غنائية وشبابية كالذي تقدمه م تي في MTV وقنوات روتانا و ام بي سي
ثالثا: بزوغ ظاهرة ما يسمى الاعلام المتعدد الادوات والاذرع واهمية التنسيق والتكامل فيما بينها
Multi-media co-ordination and integration))
التطور التكنولوجي المتسارع في مجالات الاتصال فتح المجال امام الاعلام ان يستغل هذا التطور باستخدام ما يسمى بالتكاملية والتفاعلية اي يجب ان يكون هناك تكامل ما بين التلفاز والانترنيت والنقال اي التفاعلية بين الاعلام والمشاهد .
Interactivity and integration of multi-media tools

سؤال: لماذا الاهتمام العالمي بالمشاهد العربي؟
جواب:
الشرق الأوسط منطقة غنية بالموارد النفطية وتعتبر من اشد مناطق العالم سخونة وتوتر وتكتلات وتحالفات سياسية حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بين دول المنطقة ودول العالم الكبرى. لذا نرى على الساحة العديد من المحطات الناطقة باللغة العربية وكلها تتنافس لاستقطاب المشاهد العربي. خذ مثلا قناة الحرة الممولة اميركيا والتي تبث من فرجينيا قرب واشنطن. هناك اعتقاد سائد انها لم تحقق الاختراق المطلوب رغم الانفاق السنوي الذي يزيد عن 100 مليون دولار. وصفها البعض بآلة علاقة عامة باهظة التكاليف. ولكن البي بي سي العربية كانت اوفر حظا من الحرة في استقطاب المشاهدين العرب وبانفاق سنوي لا يزيد عن 32 مليون جنيه استرليني. ورأينا فرانس 24 الفرنسية وروسيا اليوم من موسكو ومؤخرا انضمت تركيا والصين للبث العربي وهناك مشروع للعملاقة بي سكاي بي BSky Bالبريطانية لمحطة اخبارية ناطقة بالعربية. المنطقة العربية جذابة اقتصاديا أيضا كسوق ضخم استهلاكي حيث ان ثلثي السكان من الشباب ومع النمو الاقتصادي لا سيما في الخليج يشجع بعض الشركات الخاصة على تأسيس فضائيات لجذب المشاهدين العرب ذوي القدرة على الانفاق. في هذا السوق المزدحم لكي تنجح وتستقطب المشاهدين يجب ان يكون لديك برامج مميزة وكوادر قادرة على جذب المشاهدين.


سؤال: من هم اللاعبين الأكثر تأثيرا على المجتمعات العربية أعني بذلك اعلاميا وبالتحديد فضائيا؟
جواب:
للاجابة على هذا السؤال يتعين علينا ان نقسم العالم العربي جغرافيا واذا فعلنا ذلك نجد ان هناك لاعبين رئيسيين هما مصر والسعودية.
لنبدأ بمصر كونها أكبر دولة عربيا ديمغرافيا يتواجد فيها أكبر عدد من المشاهدين. من البرامج الناجحة التي تحظى باعداد كبيرة من المشاهدين هي برامج الحوارات الخفيفة والمعروفة باسمها الانجليزي: Talk and chat show
ومن البرامج الناجحة 90 دقيقة على قناة المحور الخاصة وبرنامج صبايا الذي يعالج قضايا المرأة والأسرى. وكذلك البيت بيتك على القناة الأولى الرسمية.
وقنوات الدراما 1 و 2 واوسكار دراما الذي يحظى بشعبية كبيرة في صفوف النساء بينما يتابع الرجال قنوات الرياضة وكرة القدم على الأخص. هنالك ايضا قنوات للافلام مثل النيل وبانوراما وروتانا ويمكن التقاط هذه القنوات مجانيا بينما اوربت وآيه آر تي تبقيا مشفرتين. ولا نستطيع ان نتجاهل مجموعة قنوات دريم التي اطلقها رجل الأعمال المصري احمد بهجت. ومنها دريم 1 التي تعرض منوعات وفقرات نسائية ودريم 2 للبرامج السياسية والاخبارية والمسلسلات ودريم سبورت الرياضية.
المملكة العربية السعودية: شهد الاعلام الفضائي السعودي طفرة كبيرة في السنوات القليلة الماضية. ويمكن تقسيم المشهد الفضائي السعودي الى ثلاث مجموعات فاعلة ذات تأثير كبير سعوديا وعربيا
اولا ام بي سي MBC
عندما اطلقها الشيخ الوليد الابراهيمي كانت ام بي سي اول فضائية عربية عامة تغطي العالم العربي. تم تأسيسها في لندن عام 1991 وبعد ذلك اطلقت ام بي سي 2 عام 2003 لعرض الافلام الاجنبية والمسلسلات. وفي عام 2004 اطلقت ام بي سي 3 وفي عام 2005 اطلقت ام بي سي 4 التي تعرض برامج اجنبية وايضا ام بي سي أكشن MBC Action الموجهة للشباب.

والتطور الأكبر هو في مارس آذار 2003 اطلقت مجموعة ام بي سي محطة العربية الاخبارية لتكسر احتكار الجزيرة الاخبارية. وتتميز العربية بالتركيز على اخبار الأعمال والبزنس واضافة للاخبار الرسمية العربية والعالمية تعرض القناة مواد اخبارية خفيفة شيقة.

ثانيا مجموعة روتانا
ابتدأت اواخر الثمانينات بانتاج اسطوانات الموسيقى والغناء ومع بداية الألفية الثالثة تحولت روتانا التي اطلقها الأمير الوليد بن طلال الى امبراطورية اعلامية. وتشمل المجموعة قنوات موسيقى وافلام مثل قناة روتانا سينما وروتانا زمان وروتانا موسيقى وروتانا طرب وروتانا خليجية. ومن المهم ان اذكر هنا ان شركة نيوز كوربوريشن العالمية التابعة لروبرت ميردوخ حازت على 9% من روتانا. وهناك ايضا تحالف اعلامي استراتيجي بين مجموعة فوكس الدولية وروتانا.
ثالثا آيه آر تي ART Groupاطلقها رجل الأعمال السعودي الشيخ صالح عبدالله كامل عام 1993.
وتشمل قنوات للافلام والمنوعات والموسيقى والرياضة وتم بيع معظم قنوات الرياضة للجزيرة.

سؤال :كيف تغيرت الصورة الاعلامية الآن مما كانت عليه في السنوات العشرة الأخيرة.؟
الجواب:
علينا ان نأخذ في الاعتبار العولمة والتطور التكنولوجي
أهم تطور هو ظهور ما يسمى مولتي ميديا Multi-media والتفاعلية interactivity وكذلك التكاملية integration بين الوسائل الاعلامية المختلفة.
وكذلك ازدياد شعبية ما يسمى المواد الناعمة الخفيفة على حساب المواد الثقيلة مثل الحوارات التي تتسم بالصراخ والشتم والاثارة المفتعلة وذات الفائدة المحدودة والتي باتت مزعجة للمشاهد. ومن ناحية اخرى حققت المحطات المحلية مكاسب على حساب المحطات الموجهة لكل العالم العربي.
وكلمة أخيرة لا يمكن تجاهل العنصر الشبابي الذي يمثل أكثر من ثلثي المجتمع وهذا العنصر يريد مشاهدة مواد يستمتع بها ويستجيب لها ومواد تستفزه وتثير اهتمامه وتعالج قضاياه ومشاكله. زمن الاعلام الخطابي الحكومي الشعاراتي الثقيل قد انتهى.

شكرا للاعلامي العربي الاستاذ نهاد اسماعيل

No comments:

Post a Comment